الحلبي

445

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

تلك الليلة ، فمر بحرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليه محمد بن مسلمة ، فقال محمد بن مسلمة : من هذا ؟ قال عمرو بن سعدي ، قال مرّ ، اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام وخلى سبيله ، وبعد ذلك لم يدر أين هو ؟ وقيل وجدت رمته ؟ وأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبره ، فقال : ذلك رجل نجاه اللّه بوفاته . وفي لفظ أنه قال لهم قبل أن يقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم لحصارهم : يا بني قريظة لقد رأيت عبرا ، رأيت دار إخواننا يعني بني النضير خالية بعد ذلك العز والخلد والشرف والرأي الفاضل والعقل ، تركوا أموالهم قد تملكها غيرهم ، وخرجوا خروج ذل ، لا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط وللّه بهم حاجة . وقد أوقع ببني قينقاع ، وكانوا أهل عدّة وسلاح ونخوة ، فلم يخرج أحد منهم رأسه حتى سباهم ، فكلم فيهم فتركهم على إجلائهم من يثرب ، يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا فو اللّه إنكم لتعلمون أنه نبي ، وقد بشرنا به علماؤنا . ثم لا زال يخوفهم بالحرب والسبي والجلاء ، ثم أقبل على كعب بن أسيد ، وقال : والتوراة التي أنزلت على موسى صلى اللّه عليه وسلم يوم طور سيناء إنه للعز والشرف في الدنيا . فبينما هم على ذلك لم يرعهم إلا مقدمة النبي صلى اللّه عليه وسلم قد حلت بساحتهم ، فقال : هذا الذي قلت لكم ، أي وبعد الحصار قيل أرسلوا بنباش بن قيس إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير من أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة ، فأبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحقن دماءهم ويسلم لهم نساءهم والذرية . فأرسلوه ثانيا بأنه لا حاجة لهم بشيء من الأموال لا من الحلقة ولا من غيرها ، فأبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعاد نباش إليهم بذلك ا ه . ثم إنهم بعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أبعث إلينا أبا لبابة أي وهو رفاعة بن المنذر لنستشيره في أمرنا ، أي لأنه كان من حلفاء الأوس وبنو قريظة منهم . وفي لفظ : وكان أبو لبابة مناصحا لهم ، لأن ماله وولده وعياله كانت في بني قريظة فأرسله صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال ، وجهش : أي أسرع إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه من شدة المحاصرة وتشتيت ما لهم ، فرّق لهم وقالوا : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال نعم ، وأشار بيده إلى حلقه : أي إنه الذبح . أي وفي لفظ : ما ترى ، إن محمدا قد أبى أن لا ننزل إلا حكمه ، قال . فانزلوا وأومأ إلى حلقه . ويروى أنهم قالوا له : ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ ، فأومأ أبو لبابة بيده إلى حلقه أنه الذبح فلا تفعلوا . قال أبو لبابة رضي اللّه عنه فو اللّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني خنت اللّه ورسوله ، أي لأن في ذلك تنفيرا لهم عن الانقياد له صلى اللّه عليه وسلم ، ومن ثم أنزل اللّه فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [ الأنفال :